علي بن محمد البغدادي الماوردي
376
النكت والعيون تفسير الماوردى
نفث فيها فقد سحر ، ومن سحر فقد أشرك ، ومن تعلّق شيئا وكل إليه ، والنفث : النفخ في العقد بلا ريق ، والتفل : النفخ فيها بريق ، وفي شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه إيهام للأذى « 540 » وتخيل للمرض من غير أن يكون له تأثير في الأذى والمرض ، إلا استشعار ربما أحزن ، أو طعام ضار ربما نفذ بحيلة خفية . الثاني : أنه قد يؤذى بمرض لعارض ينفصل فيتصل بالمسحور فيؤثر فيه كتأثير العين ، وكما ينفصل من فم المتثائب ما يحدث في المقابل له مثله . الثالث : أنه قد يكون ذلك بمعونة من خدم الجن يمتحن اللّه بعض عباده . فأما المروي من سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أثبته أكثرهم « 541 » ، وأن قوما من اليهود « 542 » سحروه وألقوا عقدة سحره في بئر حتى أظهره اللّه عليها . روى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي « 543 » صلّى اللّه عليه وسلّم اشتكى شكوى شديدة ، فبينا هو بين النائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه ، فقال أحدهما : ما شكواه ؟ فقال الآخر : مطبوب ، ( أي مسحور ، والطب : السحر ) قال : ومن طبّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم اليهودي فطرحه في بئر ذروان تحت صخرة فيها ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمار بن ياسر فاستخرج السحر منها ، ويروى أن فيه إحدى عشرة عقدة ، فأمر بحل العقد ، فكان كلما حل عقدة وجد راحة ، حتى حلت العقد كلها ، فكأنما أنشط من عقال ، فنزلت عليه المعوذتان ، وهما إحدى عشرة آية بعدد العقد ، وأمر أن يتعوذ بهما . وأنكره آخرون ، ومنعوا منه في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن صح في غيره ، لما في استمراره عليه من خبل العقل ، وأن اللّه تعالى قد أنكر على من قال في رسوله حيث يقول : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً * . وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ أما الحسد فهو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها ، والمنافسة « 544 » هي تمني مثلها وإن لم تزل ، فالحسد شر
--> ( 540 ) وهذا أشبه بقول المعتزلة الذين يقولون أن السحر تخيل لا حقيقة له وقد تكلمنا على ذلك في سورة البقرة فراجعه . ( 541 ) لكن هذا لم يؤثر على عقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يتعد الجسد الشريف . ( 542 ) والذي فعله من اليهود هو لبيد بن الأعصم وسيأتي ذكره في الحديث الآتي . ( 543 ) وهي رواية عن ابن عباس رواها ابن مردويه كما في الدر ( 8 / 687 ) . ( 544 ) وهي ما تسمى بالغبطة .